صفي الرحمان مباركفوري
120
الرحيق المختوم
أقدمك هذه البلدة ؟ قال : قلت له : إن كتمت عليّ أخبرتك ، قال : فإني أفعل ، قال : قلت له : بلغنا أنه قد خرج هاهنا رجل يزعم أنه نبي اللّه ، فأرسلت أخي يكلمه ، فرجع ولم يشفني من الخبر ، فأردت أن ألقاه . فقال له : أما إنك قد رشدت ، هذا وجهي إليه ، ادخل حيث أدخل ، فإني إن رأيت أحدا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي ، وامض أنت ، فمضى ، ومضيت معه حتى دخل ، ودخلت معه على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقلت له : اعرض علي الإسلام ، فعرضه ، فأسلمت مكاني ، فقال لي : يا أبا ذر ، اكتم هذا الأمر ، وارجع إلى بلدك ، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل . فقلت : والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم ، فجئت إلى المسجد وقريش فيه ، فقلت : يا معشر قريش ، إني أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، فقالوا : قوموا إلى هذا الصابئ . فقاموا ، فضربت لأموت ، فأدركني العباس ، فأكب علي ، ثم أقبل عليهم فقال : ويلكم تقتلون رجلا من غفار ؟ ومتجركم وممركم على غفار . فأقلعوا عني ، فلما أن أصبحت الغد ، رجعت ، فقلت مثل ما قلت بالأمس ، فقالوا : قوموا إلى هذا الصابئ ، فصنع بي ما صنع بالأمس ، فأدركني العباس ، فأكب علي وقال مثل مقالته بالأمس « 1 » . 4 - طفيل بن عمرو الدوسي - كان رجلا شريفا شاعرا لبيبا رئيس قبيلة دوس ، وكان لقبيلته إمارة أو شبه إمارة في بعض نواحي اليمن ، قدم مكة في عام 11 من النبوة ، فاستقبله أهلها قبل وصوله إليها ، وبذلوا له أجل تحية وأكرم التقدير ، وقالوا له : يا طفيل ، إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا ، وقد فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وإنا قوله كالسحر ، يفرق بين الرجل وأبيه ، وبين الرجل وأخيه ، وبين الرجل وزوجه ، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا ، فلا تكلمه ولا تسمعن منه شيئا . يقول طفيل : فو اللّه ما زالوا بي حتى أجمعت ألّا أسمع منه شيئا ولا أكلمه ، حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا ؛ فرقا من أن يبلغني شيء من قوله ، قال : فغدوت إلى المسجد ، فإذا هو قائم يصلي عند الكعبة ، فقمت قريبا منه ، فأبى اللّه إلا أن يسمعني بعض قوله ، فسمعت كلاما حسنا ، فقلت في نفسي : وا ثكل أمي ، واللّه إني رجل لبيب شاعر ، ما يخفى علي الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما
--> ( 1 ) صحيح البخاري باب قصة زمزم 1 / 499 ، 500 وباب إسلام أبي ذر 1 / 544 ، 545 .